محمد بن عبد الله الحسيني الموسوي ( كبريت )
24
رحلة الشتاء والصيف
وكذاك الإنسان ما دام حيا . . . فهو في لذة وفي آلامِ ولما أقبل الليل ، وقد أوهى القوى والحَيْل ، انقطع كثير من الرجال ، وتفرّق شمل تلك الرحال ، حتى أن كثيراً من الناس ألقى أكثر أسبابه ، حيث لم يجد له مساعداً في حملها من أصحابه ، وأخذ الفناء ينحر في الجمال ، والعيّ يهدم قوى الرجال ، ولم نزل في هذه الشدّة شدة واحدة إلى ما بعد الزوال . البُوَيْب فمررنا بصدفة ( البُوَيْب ) وهو مضيق بين جبلين صغيرين ، وله شرفة ، وبه تل رمل مستطيل ، وفيه يقول ابن أبي حجلة : ولما اعتنقنا للوداع عشية . . . على بركة الحجاج والدمعُ يُسْكَبُ فرِحنا وقد جُزنا البويب لأنَّه . . . إلى وصل من نهواه باب مُجرّبُ وعلى ذكر الاعتناق فما أحسن قول القائل : ولما اعتنقنا للوداع عشية . . . وفي القلب نيرانٌ لفرط غليلهِ بكيت وهل يغنى البكاء لهائم . . . إذا غاب عن عينيه وجهُ خليلهِ ثم بتنا على شاطئ نيل البركة ، الذي أحاطت به البركة ، وأنخنا بها الركاب ، وراق لنا الوقت والزمان وطاب ، وقد استقر الخاطر من قلق السفر ، وتهلل وجه الزمان وأسفر ، وأنشد لسان التمني في هذه المفاوضة ، لو سلم من المعارضة : فألقتْ عصاها واستقرّ بها النوى . . . كما قرّ عيناً بالإياب المسافرُ وعلى ذكر البركة فما أبدع هذا التشبيه : وبركة للعيون تبدو . . . في غاية الحسن والبهاءِ كأنَّها إذ صفت وراقت . . . في الأرض جزء من السماءِ وقال آخر : وبركة ما تملك العينُ وصفها . . . يحف بها نبت من الروض مزهرُ ويسرح منها في الخمائل جدولٌ . . . كما سُلّ من غمدٍ حسامٌ مجوهرُ مصر ولما أسفر الصباح ثامن عشر صفر الخير ، توجهنا إلى مصر المحروسة ، وشاهدنا